ب فبراير 2020 - هيثم صديق – رؤى ومعنى
lit { color: #195f91; }



404

We Are Sorry, Page Not Found

Apologies, but the page you requested could not be found.

Home Page

My Blog List

الجمعة، 28 فبراير 2020

دعاء الرزق الرزق حين يفتحه الوهاب لا الأسباب



مفاتيح السماء: فلسفة الرزق حين يفتحه الوهاب لا الأسباب

مقدمة: ما وراء السعي المادي إن الرزق في حقيقته ليس مجرد تبادلٍ للمنافع أو نتاجاً ميكانيكياً لجهد الأبدان، بل هو "قدرٌ مقسوم" ينسال من خزائن الغيب إلى عالم الشهادة بإذن الملك العلام. نحن نعيش في عالمٍ يقدس "الأسباب"، حتى ظن البعض أن السبب هو الخالق للرزق، فغفلوا عن مسبب الأسباب. الرزق الحقيقي هو الذي يأتيك والباب مغلق، والسبيل منقطع، والحيلة عاجزة، ليقول لك الله: "أنا الرزاق ذو القوة المتين".

أولاً: فلسفة "الباب" بين تدبير العبد وتقدير الرب

ليس كل باب يُفتح في هذه الحياة بمفتاح من كدّ الإنسان؛ فكم من موصداتٍ طُرقت بالأيدي حتى دميت فلم تنفرج، وكم من خططٍ أُحكمت فصولها فلم تثمر إلا السراب. الفتح الحقيقي هو "الفتح اللدني" الذي يأتي من عند الله لا من عند الخلق، ومن حسابات الملكوت لا من حسابات العقول القاصرة.

  • حكمة التأخير: حين يسعى العبد بصدق ثم يرى الأبواب موصدة، يقع في فخ "عتاب الذات"، وما علم أن هذا التأخير هو "تربية روحية" تهدف إلى فطام القلب عن التعلق بالسبب، ليعود إلى التعلق بالمسبب.
  • المنع هو عين العطاء: قد يكون المنع ستراً من فتنة لا تطيقها، أو حماية من رزقٍ يطغيك، فالله يعلم وأنت لا تعلم.

ثانياً: الفرق بين "رزق الجسد" و"رزق الروح"

هناك بونٌ شاسع بين رزقٍ يُنتزع من الأسباب انتزاعاً، ورزقٍ يُساق إليك من الكريم الوهاب سوقاً.

  1. الرزق المادي الجاف: هو الذي يتعب القلب قبل الجسد، ويتبعه الكد والهم والغم، وقد ينزع الله منه البركة فيصير وبالاً على صاحبه.
  2. الرزق المصبوغ بالسكينة: هو الذي يسكب الطمأنينة مع العطاء؛ فتجد القليل منه يكفي، والكثير منه ينفع، والقلب فيه حاضر مع المنعم لا مع النعمة. وحين يفتح الله هذا الباب، لا يحتاج العبد إلى "وساطة بشرية" ولا إلى "تذلل للمخلوقين"، بل يأتيه الرزق كريماً كما أراده الله.

ثالثاً: الدعاء.. بوابة التسليم لا الاستعجال

إن الوقوف على باب الله بالدعاء ليس مجرد صياغة لمطالب مالية، بل هو إعلان "الفقر المطلق" للغني المطلق. الدعاء في جوهره لا يغير الأقدار فحسب، بل يغير "الداعي" نفسه؛ فيهيئ قلبه لقبول المقدور، ويصفي روحه من كدر التفكير في الغد.

  • الرزق هو السعة: ليس الرزق أرقاماً تُحصى، بل هو سعة الصدر. فكم من صاحب ملايين يضيق عليه ماله، وكم من مستور الحال يرى الدنيا في قبضة يده قناعةً ورضاً.
  • التوكل لا العجلة: إن الرزق إذا تأخر، فليس لنقص في خزائن الله، ولكن لتمام الحكمة في تأهيل العبد لاستقبال النعمة وهو شاكر، لا وهو مبهورٌ غافل.


رابعاً: مأثورات في فقه الطلب والرزق

ورد في الأثر أن الرزق يطلب العبد كما يطلبه أجله، ولكن الفرق أن الأجل يدركه حتماً، والرزق يبارك فيه بالدعاء والتقوى. فالتقوى هي "مفتاح الخفاء"؛ ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. والاحتساب هو الحساب العقلي، فالله يرزقك من خارج دائرة توقعاتك المحدودة.

خامساً: دعاء الاستنزال والبركة (الصيغة الروحانية)

نقف الآن في محراب المناجاة، سائلين الله رزقاً يصلح الحال ويغني عن السؤال:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللهم صلِّ على سِيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلِّم.

"اللهم يا مسبب الأسباب من غير سبب، ويا فاتح الأبواب بغير مفتاح، افتح لنا أبواب فضلك الواسع. اللهم صبّ علينا الرزق صبّاً صبّاً، ولا تجعل عيشتنا كدّاً ولا نكداً. اللهم ارزقنا رزقاً حلالاً طيباً واسعاً، لا يطغينا إن كثر، ولا يذلنا إن قلّ.

اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، واجعل رزقنا عوناً لنا على طاعتك، وحجاباً بيننا وبين معصيتك. اللهم لا تجعل قلوبنا معلقة بغير بابك، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. يا من يرزق النملة في صخرتها، والطير في خفائها، ارزقنا رزق القناعة قبل رزق الكثرة، ورزق الرضا قبل رزق الزيادة.

اللهم إن كان رزقنا في السماء فأنزله بقدرتك، وإن كان في الأرض فأخرجه بفضلك، وإن كان بعيداً فقربه بلطفك، وإن كان عسيراً فيسره برحمتك، وإن كان قليلاً فبارك فيه بجودك. اللهم اصرف عنا همّ الغد، ووسواس القلة، وكدر التفكير، واجعلنا ممن توكل عليك فكفيته، واستهداك فهديته، وسألك فأعطيته.

اللهم اجعل ما رزقتنا سبباً لذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا. اللهم صبّ علينا البركة في أعمارنا وأرزاقنا وذرياتنا، واجعلنا من اليد العليا التي تعطي، لا من اليد السفلى التي تسأل."

خاتمة: أدب الانتظار على العتبة

يا طالب الرزق، اعلم أنك حين تدعو، فإنك تضع حاجاتك في يد "أكرم الأكرمين". فلا تبتئس لضيقٍ عرض، ولا تحزن لبابٍ سُدّ؛ فربما سُدّ الباب الخشبي ليُفتح لك بابٌ نوراني من فوق سبع سماوات. كن شاكراً على ما تملك، يُفتح لك ما لا تملك، فمفتاح الزيادة هو الشكر: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.

والله أعلم، ونسأل الله أن يفتح لنا ولكم أبواب الرزق الحلال، وأن يبارك لنا فيما أعطى، ويقنعنا بما قسم.

الخميس، 27 فبراير 2020

رؤيا الثعبان

بسم الله الرحمن الرحيم 
اللهم صلي علي سيدنا محمد وعلي اله وسلم

             رؤيا الثعبان او الحية


رؤية الثعبان في المنام لها اوجه كثيره منها الاتي :-





                                                        

               قال أهل التعبير:

الثعبان في المنام عدوٌّ ظاهر العداوة، وقد يدل على رجلٍ من أهل الوادي، أو صاحب مكرٍ ودهاء، ويختلف تأويله باختلاف موضعه وهيئته وحال الرائي معه.

فمن رأى ثعبانًا، فقد يدل ذلك على عداوةٍ من أهل بيته: من زوجة، أو ولد، أو قريب، وقد يدل على جارٍ حسودٍ شرير يُظهر غير ما يُبطن.
وإن كان الثعبان في داخل البيت، كان العدو من أهل الدار أو من خاصّة الرائي،
وإن كان برّيًّا خارج البيت، دلّ على عدوٍّ أجنبي لا قرابة له.


                                                      

                

تتمّة تأويل الحيّة أو الثعبان في المنام

وتدلّ الحيّة أو الثعبان في المنام أيضًا على عدوٍّ ماكرٍ شديد الخداع، يظهر غير ما يُبطن، ويتلوّن بحسب مصلحته.
وأما لحمها وعظمها وجلدها ودمها، فإنها تؤول على مال العدو، فمن نال شيئًا من ذلك، نال من مال خصمه أو ظفر بشيءٍ من متاعه.

كلام الحيّة

ومن رأى أن الحيّة كلّمته كلامًا حسنًا، فإن ذلك يدل على خيرٍ ومنفعة تصيبه من جهةٍ لم يكن يتوقّعها، وربما دلّ على أمرٍ فيه فرح وسرور، أو صلحٍ بعد خصومة.

طاعة الحيّة

ومن رأى أن حيّة أطاعته، وكان يتصرّف فيها كيف يشاء، دلّ ذلك على العزّ والرفعة، ونيل الجاه والنعمة، والغلبة على الأعداء، وربما دلّ على سلطانٍ أو هيبةٍ في القوم.

الحيّة من المعدن

وإن رأى حيّة من معدن، فإنها خير، لا سيّما إن كانت من ذهبٍ أو فضّة، فإنها أبلغ في التأويل، وتدل على مالٍ عظيم أو نعمةٍ باقية.

ألوان الحيّات

  • الحيّة السوداء، وإن كان حولها حيّات صغار، دلّت على كثرة الأتباع والحَشَم، وقوّة الشأن، مع شدّة في العداوة.
  • الحيّة الخضراء، يُحترز منها، فهي عدوٌّ يُظهر صلاحًا ويُبطن مكرًا.
  • الحيّة الصفراء، تؤول بعدوٍّ فيه سقم أو ضعف.
  • الحيّة الحمراء، تؤول بعدوٍّ ذي عشيرةٍ وأعوان.

صفات خاصّة

ومن رأى حيّةً ملساء لها أجنحة، وكان يتصرّف فيها على حسب اختياره، دلّ ذلك على حصول كنزٍ من الملوك، أو مالٍ عظيم من جهة سلطان.
وقد اتّفق المعبرون على أن الحيّة بهذه الصفة تؤول بـ البخت العظيم والحظ الوافر.

ومن رأى حيّة أو ثعبانًا له أرجل، دلّ ذلك على قوّة العدو وشدّة بأسه.

اجتماع الحيّات

ومن رأى حيّاتٍ مجتمعة حوله، فإنهم قوم أعداء يحيطون به، لكنهم لا يضرّونه ما لم تلدغه واحدةٌ منها، فإن حصل اللدغ، وقع الأذى.

الأنياب والقرون

ومن رأى حيّة لها أنياب وقرون، فإنها تؤول بعدوٍّ ضخمٍ مؤذٍ حقود، بالغٍ في الشرّ والعداوة.

الهروب من الحيّة

ومن رأى أنه هرب من حيّة، دلّ ذلك على همٍّ وغمٍّ يصيبه، أو خوفٍ لم يواجهه بعد.

خروج الحيّة من الجسد

ومن رأى أن حيّة خرجت من أذنه، أو سرّته، أو دبره، دلّ ذلك على عداوةٍ من عياله أو أهل بيته له.
ومن رأى أنها خرجت من فمه، دلّ على مضرّةٍ تصيبه من كلامٍ يتكلّم به.

القبض على الحيّة

ومن رأى حيّة تسعى بين يديه فقبض عليها، دلّ ذلك على الأمان مما يخاف، لقوله تعالى:
﴿ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى
فهي رؤيا أمانٍ بعد خوف، وقوّة بعد ضعف.

خلاصة التأويل

فالحيّة في المنام عدوٌّ على كل حال، غير أن صفاتها، ولونها، وطاعتها أو أذاها، تُبيّن شدّة العداوة أو ضعفها، والخير أو الشرّ الناتج عنها.
ومن غلبها، أو ملكها، أو أمسك بها بلا خوف، كان ذلك ظفرًا ونصرةً وبختًا بإذن الله.

والله أعلم بالصواب، وهو أعلم بما في الصدور.

ثعبان الماء

وأما ثعبان الماء، فيؤول على عونٍ للظالم، أو خادمٍ لحاكمٍ جائر، أو دلالة على سلطانٍ يُعين على غير حق، لما في الماء من معنى السلطة والجريان.

ملك الثعبان

ومن رأى أنه ملك ثعبانًا أو أمسك به دون خوف، فإن ذلك يدل على نيل سلطانٍ عظيم، أو قوةٍ في الخصومة، أو تسلّطٍ على عدوّه، وربما نال جاهًا وهيبةً بين الناس.

لدغ الثعبان

ومن رأى أن الثعبان لدغه، دلّ ذلك على مكروهٍ يصيبه من عدوّه، بقدر شدّة اللدغ وألمه. فإن كانت اللدغة يسيرة، كان الأذى خفيفًا، وإن اشتدّ الألم، اشتدّ الضرر.

قتل الثعبان

ومن رأى أنه قتل الثعبان، فإن ذلك يدل على النصر على العدو، والظفر به، وربما نال من ماله أو جاهه.
وإن رآه ميتًا دون قتال، فإن الله تعالى يكفيه شرّ عدوّه من غير حولٍ منه ولا قوة، ويُريه فيه ما يسرّه.

قطع الثعبان

ومن رأى الثعبان مقطوعًا، فإن ذلك أبلغ في الدلالة على زوال العداوة تمامًا، وانقطاع شرّها، وربما دلّ على تفريق أمر العدو وذهاب قوته.

الثعبان الأبيض

وأما الثعبان الأبيض، فإن كان صغيرًا فرفعه الرائي أو ملكه، دلّ على حصول مرتبةٍ عالية، أو نيل منزلةٍ شريفة، لأن بياضه أخفّ العداوات وأقلّها ضررًا.

الثعبان والمرأة

ومن رأى أن الثعبان التقم ذكره، دلّ ذلك على أن امرأته قد مالت إلى غيره، أو ظهرت منها خيانة في السر، والله أعلم بحقيقة الحال.

خلاصة التأويل

فالثعبان في الرؤيا عدوٌّ على كل حال، غير أن شدّته وضعفه، وقربه وبعده، يُعرف بموضعه ولونه وما جرى بينه وبين الرائي.
وكلما غلب الرائي الثعبان أو قتله، كان ذلك غلبةً في اليقظة ونصرةً بإذن الله.

والله أعلم بالصواب، وهو أعلم بالسرائر.

                                             
                                                   

ما هي الرؤيا في المنام حقيقة الرؤيا الصالحة وأقسام المنامات

بسم الله الرحمن الرحيم 
اللهم صلي علي سيدنا محمد وعلي اله وسلم
قال الله تعالي : (لهم البشري في الحياة الدنيا وفي الاخرة)

مرافئ اليقين في حقيقة الرؤيا الصالحة وأقسام المنامات


نافذة الغيب المشرعة ليست الأحلام مجرد خيالات عابرة تطوف بالروح في سكون الليل، بل هي لغة خفية، ونافذة يشرعها الخالق سبحانه لعباده ليطلوا منها على عالم الملكوت. الرؤيا الصالحة هي ذلك النور الذي يقذفه الله في قلب المؤمن وهو نائم، فتكون له تارةً تثبيتاً في المحن، وتارةً تبشيراً في الضيق، وهي حجة قائمة على أن وراء هذا العالم المادي عالماً غيبياً لا يحده زمان ولا مكان.



                                            

أولاً: ماهية الرؤيا الصالحة في المنظور الشرعي

اتفق أرباب التفسير وعلماء الأثر على أن الرؤيا الصالحة هي هبة ربانية، يراها العبد الصالح أو تُرى له من باب التكريم. وقد ورد في الحديث النبوي الشريف قوله ﷺ: «الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له»، وفي هذا إشارة إلى أن دائرة الخير قد تتسع ليرى المحب لمحبوبه ما يسره.

إن تعظيم شأن الرؤيا هو من صميم الإيمان بالغيب؛ إذ اعتبرها النبي ﷺ جزءاً من أجزاء النبوة الباقية، ومن أنكر أثرها وصدقها فقد غفل عن باب عظيم من أبواب المعرفة الإلهية. وقد كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تؤكد هذا المعنى بقولها: "أوّل ما بُدئ به رسولُ الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في المنام، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح". وتشبيهها بـ "فلق الصبح" إعجاز في التعبير؛ فهي تمزق ظلام الشك بنور اليقين، وتأتي واضحة لا غبش فيها، صادقة لا يحتمل تأويلها إلا الحق.

ثانياً: مدرسة الصديق في فقه التأويل

لم يكن علم التفسير مجرد تخمين، بل هو "فراسة إيمانية" تجلت في أبهى صورها لدى أبي بكر الصديق رضي الله عنه. فقد كان النبي ﷺ يقص عليه الرؤى فيجد الصديق بجمال بصيرته تأويلها المباشر. من ذلك رؤية "الدرج" الذي رقي فيه النبي ﷺ وصاحبه، فسبقه المصطفى بمرقاتين، فاستنبط الصديق منها أجلَه ومدة بقائه بعد رسول الله؛ فكان كما قال. كذلك رؤية "الغنم السود والبيض"، التي جسدت في رمزيتها الروحية دخول العرب ثم العجم في دين الله أفواجاً، فكانت الرؤيا هنا "تاريخاً يُكتب قبل وقوعه"، وشهادة على صدق النبوة واتساع رقعة الإسلام.

ثالثاً: علم "تأويل الأحاديث" وجذوره القرآنية

إن علم الرؤيا ليس علماً مستحدثاً، بل هو "العلم الأول" الذي خاطب الله به أنبياءه منذ فجر البشرية. وقد خلد القرآن الكريم ذكر هذا العلم في قصة نبي الله يوسف عليه السلام، الذي امتزجت حياته بالرؤى من مطلعها حتى منتهاها. قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾. وتأويل الأحاديث هنا هو علم الرؤيا، وهو منحة لدنية لا تُنال بمجرد القراءة، بل بالتقوى والاجتباء الرباني. به أنذر الله الملوك، وبشّر به المظلومين في غيابات السجون، وجعله وسيلة لتدبير مصالح العباد وتأمين معايشهم.

رابعاً: الرد على الماديين وحقيقة "أضغاث الأحلام"

على مر العصور، حاول أهل الطبائع والطب المادي حصر المنامات في تفاعلات الجسد العضوية، زاعمين أن النائم لا يرى إلا انعكاساً لغلبه أخلاطه وطبائعه الأربعة:

  1. السوداء: التي تجلب في ظنهم الأهوال والمخاوف والظلام.
  2. الصفراء: التي تنعكس في المنام بصور النيران والدماء واللون الأحمر.
  3. البلغم: الذي يصور للنائم البحار والأنهار والبياض.
  4. الدم: الذي يثير في الخيال صور المعازف والرياحين والشراب.

ورغم أن هذا الجانب قد يكون له نصيب من الصحة في "فساد المزاج"، إلا أنه قاصر وعاجز عن تفسير الرؤى الصادقة التي تخبر بمغيبات لا صلة لها بجسد الإنسان. وهنا يبرز مصطلح "أضغاث الأحلام"، وهي الحزم المختلطة من النبات التي لا نظام لها؛ فهي خلط بين حديث النفس، وتلاعب الشيطان، وغلبة الطبائع، ولذلك لا يُعتد بها في ميزان التفسير لأنها تفتقر إلى النورانية والاتساق.

خامساً: التصنيف الثلاثي للمنامات

استقر جمهور العلماء والمفسرين على أن ما يراه الإنسان في مرقده ينحصر في ثلاثة أصناف لا رابع لها:

  1. رؤيا البُشرى: وهي "الرؤيا الصادقة" من الله، سمتها الوضوح، وهدفها التثبيت، وهي التي تستحق البحث عن تأويلها عند أهل الاختصاص.
  2. رؤيا التحزين: وهي من الشيطان، تهدف إلى إلقاء الرعب في قلب المؤمن أو شغله بالأباطيل، وسنتها أن يتفل الرائي عن يساره ولا يذكرها لأحد.
  3. رؤيا حديث النفس: وهي انعكاس لما يشغل بال الإنسان في يقظته من هموم أو آمال، فيعيد العقل صياغتها أثناء النوم، وهي لا دلالة لها في عالم التأويل.

خاتمة: أدب التعامل مع الرؤى

إن عالم الرؤى عالم فسيح، يتطلب من المسلم وعياً وبصيرة. فليس كل حلم يستوجب القلق، ولا كل منام يصحُّ اعتباره حقيقة مطلقة يُبنى عليها عمل. إنما الميزان هو "العرض على الشرع والعلم"، فما وافق الحق قبلناه واستبشرنا به، وما كان غير ذلك رددناه بالاستعاذة والتوكل.

والله أعلم، ونسأل الله أن يجعل رؤانا تباشير خير وصلاح.

            
                                        

رؤيا الكفن دلالات الكفن والنعش في عالم الرؤى

           بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلي علي سيدنا محمد وعلي اله وسلم

                   عزيزي القارئ سوف نفسر بعض الاحلام من رؤيا الكفن والنعش والتابوت في هذا المقال القصير

                


     

أسرار الانتقال والستر: دراسة روحانية في دلالات الكفن والنعش في عالم الرؤى

إن عالم الأحلام هو المرآة التي تعكس خفايا النفس ومآلات القدر، ومن أكثر الرموز التي تثير الرهبة والسكينة في آن واحد هي تلك المتعلقة بأدوات الانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء؛ كالكفن والنعش. وفي ميزان التأويل، لا يُنظر إلى هذه الرموز بمنظار الموت المادي فحسب، بل هي إشارات للستر، والعلم، والرفعة، أو حتى التحذير من مواطن الزلل.

أولاً: فلسفة الكفن في المنام.. بين الستر والفتنة

يعد الكفن في الرؤيا رمزاً مزدوجاً؛ فهو "ستر العورة" في أسمى معانيه، وهو "زواج الأعزب" لكون الزواج ستراً وصوناً. ومع ذلك، تتفرع دلالاته بناءً على هيئة الرائي وحال الكفن:

1. صناعة الكفن وإهداؤه: من رأى في منامه أنه ينبري لصناعة كفن لميت، فهذا في الحقيقة "صناعة للمعروف"؛ إذ يؤول بمقدار ما بذله من جهد وخامة في هذا الكفن بتقديم الخير والأجر والثواب لذلك الميت، سواء بالصدقة أو بالدعاء أو بقضاء الديون. أما إن كان يصطنع الكفن لشخص حيٍّ يعرفه، فالرؤيا هنا تنقلب إلى دلالة العناء والكدح؛ إذ قد يصيب الرائي تعب من جهة هذا الشخص. بينما صناعة الكفن لشخص مجهول هي محض خير وسعة تأتي للرائي من حيث لا يحتسب.

2. نزع الكفن وأخذه من الموتى: هذا الرمز يحمل دلالة "الاقتفاء"؛ فمن نزع كفن ميت معروف، فهو يسلك مسلكه في الحياة ويتبع منهجه. أما "أخذ" الكفن فله وجهان:

  • لأهل الصلاح: يرمز إلى الاشتغال بـ "علوم غريبة ودقيقة" لا يدركها العامة، وقد يؤول بنيل مال من جهة فيها شبهة تتطلب الحذر.

  • لأهل الفساد: هو نذير سوء؛ إذ يدل على قلة الدين، والتشويش على الناس، والوقوع في رذيلة "الغمز والفتنة" بين العباد.

3. لبس الكفن للحي وميل النفس: نقل "أبو سعيد الواعظ" أن لبس الحي للكفن قد يشير إلى ميل النفس نحو المعاصي، وتحديداً الزنا. فمن رأى أنه يلبس الكفن ولم يتمَّ لبسه، فهذا رمز للمجاهدة؛ أي أنه يُدعى إلى الفتنة ولكنه لا يستجيب، وفي ذلك بشارة بالثبات. أما من رأى نفسه ملفوفاً بالكامل، مقمطاً ومربوطاً من الرأس إلى القدمين كهيئة الموتى، فقد يدل ذلك على دنو الأجل أو "فساد في الأمر" يحتاج إلى إصلاح عاجل.

4. طول الكفن وعلاقته بالتوبة: ثمة تناسب عكسي لطيف في هذا الرمز؛ فكلما كان الكفن الذي يلبسه الحي في منامه "قصيراً" أو أقل مما ينبغي، كان ذلك دليلاً على قرب الرائي من باب التوبة وصلاح حاله. وكلما زاد طول الكفن واستفاض، دلَّ ذلك على بعد الرائي عن التوبة وانغماسه في غفلة الدنيا.

5. جمع الأكفان وطلبها: رؤية الشخص يجمع أكفاناً كثيرة هي رؤيا "استزادة"؛ إذ تؤول بجمع علوم شتى متنوعة المشارب. أما من يطلب كفناً في منامه فلا يجده، فذلك رمز لتعسر المطلب وفقدان الستر في أمرٍ ما، وهي رؤيا لا تُحمد. وفي المقابل، من جاءه شخص بكفن كهدية، فذلك نيل نعمة جليلة وستر رباني يغشاه.


                                                   

  

ثانياً: النعش والتابوت.. معارج الرفعة والوقار

ينتقل المقال بنا إلى رمزية أخرى لا تقل أهمية، وهي "النعش" و"التابوت"، وهما في التأويل يصبان في مجرى واحد غالباً، وهو مجرى الرفعة والسيادة.

1. دلالة "الانتعاش" والرفعة: اشتق المفسرون من اسم "النعش" معنى "الانتعاش"؛ فمن رأى نفسه محمولاً على نعش، ارتفع شأنه في الدنيا، وعلا ذكره، وكثر ماله. هي رؤيا "علو القدر" وسطوة الهيبة بين الناس. فإذا كان الرائي هو من يصنع النعش بنفسه، فهو رجل يسعى في قضاء حوائج الناس وصناعة المعروف، وإن أمر بصناعته، دل ذلك على صدقة جارية يخلد بها ذكره ويثقل بها ميزانه.

2. التابوت.. الحكمة والزوجة: التابوت في الرؤيا "وعاء الخير"؛ فمن وُهب تابوتاً، رُزق ملكاً وعظمة، وآتاه الله حكمة ووقاراً يهابه الناس بسببه. وفي بعض التفاسير، يرمز التابوت إلى "الزوجة الصالحة" التي تكون سكناً وستراً لزوجها.

3. كسر النعش وسلامة التابوت: يجب الحذر من رؤية "انكسار النعش"، فكما أن رفعه رفعة، فإن انكساره قد يدل على انكسار في الجاه أو تعثر في المسى. أما التابوت، فبقاء حاله واستقامته دليل على استقرار النعمة وبقاء العلم والحكمة في بيت الرائي.

ثالثاً: لمحات روحية في الستر والمعرفة

إن الكفن والنعش في جوهرهما يمثلان "الغطاء"؛ الكفن غطاء للجسد، والنعش غطاء للرحلة. ومن هنا، فإن من يجمع الأكفان يجمع "أغطية الحقائق" وهي العلوم، ومن يلبس الكفن يطلب "غطاء الستر".

فيا أيها الرائي، إن رأيت في منامك هذه الرموز، فانظر إلى حالك مع الله؛ فإن كنت في ضيق فبشرى بالرفعة (النعش)، وإن كنت في طلب علم فبشرى بالتبحر (جمع الأكفان)، وإن كنت تطلب الستر فاعلم أن الله سترك في منامك ليذكرك بجميل ستره في يقظتك.

يبقى علم الرؤيا بحراً لجيّاً، والرموز فيه تتغير بتغير أحوال الرائين؛ فما كان كفناً لغيرك قد يكون كساءً لك، وما كان موتاً في الظاهر قد يكون حياة في الباطن. فالزم جانب التقوى، واطلب الستر في كل حال، واعلم أن العلم والحكمة هما "التابوت" الحقيقي الذي يحفظ للإنسان ذكره ومكانته.

والله أعلم، ونسأل الله خير ما في هذه الرؤى ونعوذ به من شرها، ونسأله الستر في الدارين.

🔹 الكفن عند ابن سيرين: بين الستر والمآل

قال ابن سيرين رحمه الله:
الكفن في المنام يدلّ على الستر، فإن رآه الإنسان بقدر جسده، كان ذلك صلاحًا في دينه ودنياه، وإن زاد الكفن عن الحدّ، دلّ على غفلةٍ وإسرافٍ في أمرٍ لا يُحمد.
ومن رأى أنه يُكفَّن وهو حيّ، فإن ذلك دعوةٌ إلى التوبة، فإن لم يُتمّ التكفين، دلّ على أنه يُدعى إلى معصية فلا يُجيب.

وقال أيضًا:
من أُعطي كفنًا ولم يلبسه، نال سترًا من الله في أمرٍ يخاف افتضاحه،
ومن سُلب كفنه، خيف عليه من ذهاب الستر أو انكشاف السر.

🔎 وهذا يعزّز ما ورد في مقالك من الربط بين طول الكفن وقرب التوبة أو بعدها.


🔹 الكفن والنعش عند الكرماني: رموز المكانة والناس

وقال الكرماني:
من رأى أنه على نعش، فإن الناس يحملون أمره ويتداولون ذكره، فإن كان محمود السيرة، علت منزلته، وإن كان غير ذلك، كان حمله حملَ ذكرٍ لا يُحمد.
والنعش يدل على الرئاسة بقدر من يحمله.

وقال في الكفن:
من رأى كفنًا أبيض نقيًّا، دلّ على صفاء السريرة،
وإن كان الكفن متّسخًا أو ممزقًا، دلّ على نقصٍ في الدين أو اضطراب في الحال.

🔎 وهنا يتجلّى المعنى الاجتماعي للرؤيا: ليس الرمز منفصلًا عن سيرة الرائي.


🔹 جعفر الصادق: الكفن والتابوت كمقامات روحية

وقال جعفر الصادق رضي الله عنه:
الكفن في الرؤيا يؤول على خمسة أوجه:

  1. ستر من الله

  2. توبة بعد غفلة

  3. زواج لمن لا زوج له

  4. كفٌّ عن معصية

  5. نهاية أمر وبداية غيره

وأما النعش فيؤول على:

  • علوّ شأن

  • هيبةٍ في القلوب

  • ولايةٍ أو أمانة

  • علمٍ يُنتفع به

  • أو سفرٍ ينتقل فيه الرائي من حالٍ إلى حال

وقال في التابوت:
هو وعاء الأسرار، فمن رآه مفتوحًا، اطّلع على علمٍ خفيّ،
ومن رآه مغلقًا، كان في سترٍ محفوظ.

🔎 وهذا ينسجم تمامًا مع عنوان مقالك: “أسرار الانتقال والستر”.


                                                




الرؤيا المنامية الرؤيا الصادقة، وضوابط فهمها وتأويلها

   الرؤيا الصادقة



في آداب طلب الرؤيا الصادقة، وضوابط فهمها وتأويلها

                السلام عليكم

          اللهم صلى على سيدنا محمد وعلى اله وسلم


                إذا أراد الإنسان أن يتهيّأ لرؤيةٍ صادقةٍ في منامه، تكشف له عمّا في ضميره، أو تأتيه ببشارةٍ أو تنبيهٍ أو إرشاد، فإن أهل العلم لم يتركوا هذا الباب هملاً، بل وضعوا له آدابًا وأسبابًا، تجمع بين الطهارة الظاهرة، وحضور القلب، وصدق النيّة.

                                                   
                                                 
              

التهيؤ للرؤيا الصادقة

ذكر أهل المعرفة أن من أعظم أسباب صدق الرؤيا طهارة الظاهر والباطن.
فمن أراد ذلك، استحبّ له أن:

  • ينام على وضوء كامل
  • ويضطجع على جنبه الأيمن
  • ويبدأ نومه بذكر الله تعالى
  • ويُفرغ قلبه من شواغل الدنيا قدر المستطاع

لأن الرؤيا الصادقة لا تُعطى لقلبٍ مشغول، ولا لنفسٍ غافلة، وإنما تُمنح لمن صدق توجهه، وسلّم أمره لله.

الدعاء قبل النوم

وقد رُوي عن جعفر الصادق رضي الله عنه دعاءٌ عظيم، يُقال عند النوم، وهو من أدعية التفويض والتسليم، يجمع بين التوحيد، والانكسار، وطلب الصدق في الرؤيا، ونصّه:

اللهم إني أسلمت نفسي إليك،
ووجّهت وجهي إليك،
وفوّضت أمري إليك،
وألجأت ظهري إليك،
رغبةً ورهبةً إليك،
لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك،
آمنت بكتابك الذي أنزلت،
ونبيّك الذي أرسلت،
تباركت ربنا وتعاليت،
أنت الغني ونحن الفقراء إليك،
أستغفرك وأتوب إليك،
يا رب أنا هاربٌ منك إليك،
اللهم أرني رؤيا صادقة غير كاذبة،
صالحة سارة غير محزنة،
نافعة غير ضارّة.

وهذا الدعاء ليس مجرّد ألفاظ، بل حالة قلبية، قوامها التفويض الكامل، والانقطاع عن الحول والقوة، واللجوء الصادق إلى الله.

                                               
                                                        

                         

ما بعد الاستيقاظ

فإن استيقظ الرائي، استُحبّ له أن:

  • يبدأ بذكر الله تعالى
  • ويحمده على ما رأى
  • ولا يُحدّث برؤياه كل أحد

بل يقصّها على معبّرٍ ثقةٍ عالمٍ بالرؤيا، لأن الرؤيا أمانة، والتعبير علم، وليس كل سامعٍ أهلًا له.

وقد ذكر أهل العلم أن الرائي يعتمد على تعبير المعبّر إذا كان عارفًا بالضوابط، لأن الرؤيا كما قيل:

على جناح طائر، إذا عُبّرت وقعت
أي أن التفسير المنضبط له أثر في توجيه الفهم، لا في صناعة القدر.

معرفة الأزمنة وتأثيرها في الرؤى

وقد أشار بعض المعبّرين إلى أن للأزمنة أثرًا في الرؤيا، من حيث صفاؤها أو اضطرابها.
فذكروا ما يُعرف بـ:

  • الساعات السعيدة
  • والساعات النحسة
  • في أيام الأسبوع السبعة.

ولا يُقصد بذلك الجزم بالغيب، بل معرفة الأوقات التي يغلب فيها الصفاء أو التشويش، ليُفرّق المعبّر بين رؤيا تُعتدّ بها، ورؤيا يُتأنّى فيها.

ولهذا كان من تمام علم التعبير أن يكون المعبّر:

  • عالمًا بالرموز
  • مطّلعًا على الأزمنة
  • فقيهًا بحال الرائي

ثوابت في فهم الرؤيا

ومع ذلك، فقد وضع أهل التعبير قواعد ثابتة لا تتغيّر، تُعين على الفهم الصحيح، ومنها:

  • إذا رأى الإنسان ولدًا في المنام، وكان في الرؤيا خير أو شر، فقد يؤول ذلك على الأعداء أحيانًا، لا على الولد نفسه.
  • وقد يؤول الولد بالولد الحقيقي إذا دلّ السياق على ذلك.

فالعبرة ليست بالرمز وحده، بل بما يحيط به من قرائن.

وهذا يبيّن أن علم الرؤيا ليس آليًا، ولا قائمًا على قاموس جامد، بل هو علم:

  • يحتاج فقهًا
  • وبصيرة
  • وتجربة
  • ومعرفة بحال الناس

خاتمة

إن الرؤيا الصادقة هبة، لا تُنتزع،
وإشارة، لا تُفرض،
ولا تُعطى إلا لمن صدق مع الله في يقظته،
فأُكرم بالصدق في منامه.

فمن طهّر ظاهرَه،
وصفّى باطنَه،
وصدق لجوؤه،
صدقت رؤياه.

والله أعلم، وهو أعلم بما في القلوب والسرائر.

          
                                             
كاتب وباحث في علم الفلك
هيثم صديق

طبقات معبّري الرؤيا عبر العصور

                                        بسم الله الرحمن الرح

                                         طبقات المعبرين  



                                
                  السلام عليكم
                                    

عرض تاريخي في مراتب التعبير وأهله

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أخي المسلم، أختي المسلمة،
إن علم تعبير الرؤيا من العلوم العريقة التي شغلت عقول البشر منذ أقدم العصور، وتناقلتها الأمم جيلاً بعد جيل، لما للرؤيا من صلة بعالم الغيب، وبما تحمله من بشارات أو إنذارات أو دلالات تحتاج إلى فقهٍ وبصيرة.

وقد اعتنى العلماء بتدوين أسماء معبّري الرؤى ومراتبهم، ومن أشهر من صنّف في ذلك الحسن بن الحسين الخلّال رحمه الله في كتابه طبقات المعبّرين، حيث ذكر أسماء سبعة آلاف وخمسمائة معبّر، ثم اختار منهم ستمائة رجل، وخصّ بالذكر مائة من المشهورين الذين بلغوا الغاية في هذا العلم، وقسّمهم إلى خمس عشرة طبقة، بحسب منازلهم، ومصادر علمهم، ومشاربهم الفكرية.
 .
                                                    

وفيما يلي عرضٌ منظّم لهذه الطبقات:

الطبقة الاولي :-         

 المعبّرون من الأنبياء عليهم السلام

مقام الوحي وأصل علم التأويل

تُعدّ طبقة الأنبياء عليهم السلام أعلى طبقات معبّري الرؤى، وأشرفها قدرًا، وأصدقها تأويلًا، إذ لم يكن علمهم بالرؤيا قائمًا على الظن أو التجربة أو الحدس، بل كان وحيًا صريحًا أو إلهامًا ربانيًا معصومًا. ومن هنا، فإن تأويلهم للرؤى هو الأصل الذي يُرجع إليه، والأساس الذي تُقاس عليه سائر طبقات المعبّرين.

فالأنبياء هم صفوة الخلق، اصطفاهم الله لحمل رسالته، وكان من جملة ما آتاهم علم تأويل الرؤيا، لما لهذا العلم من صلة مباشرة بعالم الغيب، وبالهداية، وبالتوجيه الإلهي لعباده.

ومن أعلام هذه الطبقة:

▪️ إبراهيم عليه السلام

وهو أوّل من ذُكرت الرؤيا في قصته بوضوح عظيم، حين رأى في المنام أنه يذبح ابنه، فكانت رؤياه أمرًا إلهيًا وابتلاءً عظيمًا، لا يحتمل التأويل المجازي.
قال تعالى:
﴿ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾
فكانت رؤيا الأنبياء وحيًا يُعمل به، لا رمزًا يُتأوَّل، وفي هذا دليل على أن رؤياهم تختلف في حقيقتها عن رؤى غيرهم.

▪️ يعقوب عليه السلام

وكان من أعلم الناس بتأويل الرؤى، وأدقّهم فطنة في فهم إشاراتها، وقد ظهر ذلك جليًا حين قصّ عليه ابنه يوسف رؤياه، ففهم معناها قبل وقوعها، وحذّره من قصّها على إخوته.
فكان يعقوب عليه السلام مثال العالِم بالرؤيا، الحكيم في كتمانها، البصير بمآلاتها.

▪️ يوسف عليه السلام

وهو إمام المعبّرين بلا منازع، وأعظم من ذُكر في القرآن في باب الرؤيا وتأويلها.
وقد خصّه الله تعالى بعلم هذا الفن، فقال:
﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ﴾
وقال:
﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ﴾

فكان يوسف عليه السلام:

  • يعبّر رؤيا نفسه

  • ويعبّر رؤيا غيره

  • ويعبّر رؤى الملوك

  • وتتحقق رؤياه وتأويله على مرّ السنين

ومن قصته تُستنبط أصول علم التعبير، مثل:

  • أن الرؤيا قد تتأخّر سنين

  • وأن التأويل مرتبط بالصبر

  • وأن صدق الرؤيا لا يعني قرب وقوعها

▪️ دانيال عليه السلام

وقد اشتهر بتعبير رؤى الملوك، وتأويل الرؤى العظيمة التي تتعلّق بمصائر الأمم، لا الأفراد فقط.
وكان علمه بالرؤيا علم كشفٍ وتأويلٍ وتقديرٍ للأحداث الكبرى، مما يدل على أن الرؤيا قد تتجاوز الشأن الشخصي إلى الشأن العام.

▪️ ذو القرنين

وقد ذُكر في كتب التعبير ضمن من آتاهم الله علمًا وحكمة وبصيرة، وكان فهمه للرموز والأحداث جزءًا من قيادته وعدله، وإن لم تُنقل عنه رؤى مفصّلة كغيره، إلا أن إدراجه في هذه الطبقة يدل على اتصاله بعلمٍ رباني وبصيرة نافذة.

▪️ محمد ﷺ

وهو خاتم الأنبياء، وأصدقهم رؤيا، وأكملهم بيانًا.
وقد ثبت عنه ﷺ أن:

الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة

وكانت رؤياه:

  • حقًّا لا كذب فيه

  • وبداية الوحي

  • ودليلًا على صدق الرسالة

وقد رأى ﷺ رؤى عظيمة تحقّقت كما رآها، مثل:

  • رؤيا الهجرة

  • ورؤيا دخول مكة

  • ورؤى تتعلّق بأمته ومستقبلها

وكان يُقرّ الصحابة على تعبير الرؤيا إن أصابوا، ويصحّح لهم إن أخطأوا، فكان الميزان الأعلى في هذا العلم.


خلاصة مقام هذه الطبقة

إن المعبّرين من الأنبياء:

  • رؤياهم وحي أو إلهام معصوم

  • وتأويلهم حقّ لا يتخلّف

  • ولا يُقاس بهم أحد من الخلق

ومنهم أُخذ أصل هذا العلم،
وعليهم تُبنى قواعده،
وبفهمهم تُفهم الرؤيا على وجهها الصحيح.

فإذا ذُكرت الرؤيا…
كان يوسف إمامها،
وكان محمد ﷺ ميزانها،
وكان الوحي أصلها ومنتهاها.

والله أعلم، وهو أعلم بمراتب أنبيائه وأسرار وحيه.


                                  
                                                 

الطبقة الثانية:

 المعبّرون من الصحابة رضي الله عنهم

التعبير بنور الوحي وفهم التنزيل

تأتي طبقة الصحابة رضي الله عنهم مباشرة بعد طبقة الأنبياء، وهم أصدق الناس بعدهم في فهم الرؤيا، لأنهم شهدوا التنزيل، وعايشوا الوحي، وتربّوا على عين النبي ﷺ.
وكان تعبيرهم للرؤى قائمًا على:

  • الفقه العميق

  • سلامة العقيدة

  • معرفة اللغة والرمز

  • القرب من زمن النبوة

ومن أعلام هذه الطبقة:
أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان أشهر الصحابة في تعبير الرؤيا، وقد عبّر بين يدي النبي ﷺ فأصاب في بعض وأخطأ في بعض، فأقرّه النبي على المنهج وصحّح له الجزئيات، فصار أصلًا في جواز الاجتهاد في التعبير.

وكذلك:
عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس (ترجمان القرآن)، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن سلام، وأبو ذر الغفاري، وأنس بن مالك، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وعائشة وأسماء رضي الله عنهم.

وكانت رؤيتهم للرؤيا ميزانها التقوى، فلا يعبّرون إلا بعلم، ولا يتوسّعون فيما لم يتبيّن.

الطبقة الثالثة:

 المعبّرون من التابعين

انتقال العلم من الرواية إلى الفهم

وهم الذين أخذوا العلم عن الصحابة، فجمعوا بين الأثر والتجربة، وبدأ علم التعبير عندهم يأخذ صورة أوضح في القواعد.
ومنهم:
سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، وثابت البناني.

امتازت هذه الطبقة بـ:

  • تعميق الربط بين الرؤيا والعمل

  • التحذير من التسرّع في التأويل

  • اعتبار حال الرائي أساسًا للتفسير

وكانوا يقولون: الرؤيا تسرّ المؤمن ولا تغرّه.


الطبقة الرابعة: 

المعبّرون من الفقهاء

ضبط الرؤيا بميزان الشريعة

وهؤلاء جمعوا بين فقه الأحكام وفقه الرموز، فجاء تعبيرهم منضبطًا لا يخرج عن أصول الدين.
ومنهم:
أبو ثور، والأوزاعي، والشافعي، وأبو يوسف القاضي، وابن أبي ليلى، وأحمد بن حنبل، ومنصور بن المعتمر، وعبد الله بن المبارك.

وكانوا يرون أن:

  • الرؤيا لا تُخالف نصًا

  • ولا تُبنى عليها أحكام شرعية

  • وإنما هي بشارة أو تنبيه

فأغلقوا باب الغلو في الرؤى، وفتحوا باب الفهم المتزن.

الطبقة الخامسة:

 المعبّرون من الزهّاد

التعبير بروح التزكية والخوف من الله

وهم أهل الزهد والورع، فغلب على تعبيرهم الوعظ والتربية.
ومنهم:
محمد بن واسع، وتميم الداري، وشقيق البلخي، ومالك بن دينار، وسليمان التيمي، ومنصور بن عمار، ومحمد بن سماك، ويحيى بن معاذ، وأحمد بن حرب.

وكانوا إذا عُرضت عليهم الرؤيا:

  • ربطوها بالمآل

  • ونظروا إلى أثرها على القلب

  • وجعلوا التأويل باب إصلاح لا باب معرفة مستقبل


الطبقة السادسة:

 المعبّرون من أصحاب المؤلفات

تدوين علم الرؤيا وتقعيده

وهذه من أهم الطبقات، إذ بها انتقل علم الرؤيا من المشافهة إلى الكتب والتصنيف.
ومن أعلامها:
محمد بن سيرين، وهو إمام هذا الفن عند الأمة،
وإبراهيم الكرماني، وعبد الله بن مسلم القتيبي، ومحمد بن حماد الرازي، والخبّاز، والحسن بن الحسين الخلال، وأرطاميدورس اليوناني.

وقد:

  • وضعوا القواعد

  • وميّزوا بين الرؤيا والحلم

  • وربطوا الرمز بالقرآن واللغة والعرف

الطبقة السابعة:

 المعبّرون من الفلاسفة

الرؤيا بوصفها خطابًا رمزيًا عقليًا

ومنهم:
أفلاطون، وأرسطو، وبطليموس، ويعقوب بن إسحاق الكندي، وأبو يزيد البلخي.

نظروا إلى الرؤيا باعتبارها:

  • لغة العقل الباطن

  • وصورة للنفس

  • ورسالة رمزية تحتاج تفكيكًا

وأُخذ من كلامهم ما وافق العقل ولم يخالف الشرع.


الطبقة الثامنة:

 المعبّرون من الأطباء

الرؤيا بين النفس والجسد

ومنهم:
جالينوس، وأبقراط، وبختيشوع، وأهرن، ومحمد بن زكريا الرازي.

ربطوا الرؤى بـ:

  • الأخلاط

  • الأمزجة

  • الحالة الصحية

وهو باب جزئي من أبواب الرؤيا، لا يُجعل أصلًا.


الطبقات (9–15): اليهود، النصارى، المجوس، المشركون، الكهنة، السحرة، أهل الفراسة

طبقات النقل لا الاحتجاج

وهؤلاء ذُكروا حصرًا لا اعتمادًا، لمعرفة ما قالته الأمم في الرؤيا، لا للأخذ عنهم.
وفيهم من:

  • أصاب بالحدس

  • أو وافق بعض الحق

  • أو خلط بالباطل والسحر والكهانة

ولذلك لا يُحتجّ بتعبيرهم في ميزان الإسلام، وإنما يُذكرون من باب التاريخ والمعرفة.


الخاتمة الجامعة

يبيّن هذا التقسيم أن علم الرؤيا علمٌ مشترك إنسانيًا،
لكن ميزان القبول إسلاميًا هو:

  • الوحي

  • والشرع

  • والتقوى

  • وسلامة المنهج

فليس كل من عبّر صادقًا،
ولا كل صادق معصومًا،
وإنما العصمة للأنبياء،
والميزان للشرع.

والله أعلم، وهو أعلم بمراتب عباده وعلمه.