حين يُمتحَن القلب قبل اللسان
قصة الخواجة عبدالقادر مع الشيخ المكاشفي
لم يكن الخواجة عبدالقادر من أهل الزوايا ولا من ملازمي حلق الذكر، بل كان رجلًا من رجال السوق، يعرف الحساب والبيع والشراء، وتعرفه الطرقات أكثر مما تعرفه المجالس. غير أن قلبه، على كثرة انشغاله، كان يحمل قلقًا خفيًا لا يسكّنه المال ولا تُطفئه الحركة. كان كثير الذكر في وحدته، صادق التوجّه في سرّه، وإن لم يُظهر من أمره شيئًا.
وكان يسمع، كما يسمع الناس، عن رجلٍ يقال له الشيخ المكاشفي، تُنسب إليه الفراسة، ويُحكى عنه أنه ينظر إلى القلوب قبل الوجوه، وأنه إذا تكلّم أصاب موضع الداء، لا من علمٍ مدوَّن، بل من نورٍ يُقذَف في القلب. فتردّد الخواجة في نفسه: أحقٌّ ما يُقال؟ أم هي حكايات المجالس وما تُحبّ النفوس أن تصدّق؟
وفي صباحٍ ساكن، عقد العزم على زيارته، لا طلبًا لبركة، ولا رغبة في كرامة، بل اختبارًا خفيًا. قال في نفسه، ولم يسمعه أحد:
إن كان هذا الرجل على ما يُنسب إليه، فليُخبرني بما في قلبي قبل أن أنطق، وإلا رجعت، وعلمت أن الأمر لا يعدو ما يُقال.
وسار الخواجة إلى مجلس الشيخ، وقد لبس الوقار، وأخفى ما في صدره، فلما دخل، لم يزد على سلامٍ مقتضب، ولم يجلس قريبًا، ولم يسأل، ولم يتقدّم بكلمة. كان ينتظر أن يُختبر الشيخ، لا أن يُختبر هو.
رفع الشيخ المكاشفي بصره، وكان صامتًا، ثم قال بصوتٍ هادئ لا حدّة فيه ولا ادّعاء:
«يا عبدالقادر… من جاء يختبر، اختُبر. ومن جاء متوكّلًا، وُصِل.»
كأن الكلمات وقعت على قلب الخواجة قبل أذنه. اضطربت أنفاسه، وسكنت جوارحه، وشعر أن ما خبّأه في صدره قد انكشف، لا بفضيحة، بل بتعرية صادقة. حاول أن يتماسك، فلم يُسعفه التماسك.
ثم قال الشيخ، وكأنه يُكمِل حديثًا لم يبدأه:
«تجارتك مباركة، وسعيك محمود، ولكن لا تجعل العقل حجابًا بينك وبين اليقين. فإن للعقل حدًّا، فإذا تجاوزه، صار قيدًا.»
لم يحتمل الخواجة المقام، فقام، وقبّل يد الشيخ، وقال بصوتٍ متهدّج:
والله ما جئتُ إلا مختبرًا، وقد أخبرتني بما في صدري قبل أن أنطق.
ابتسم الشيخ المكاشفي ابتسامة من يعرف موضع الكلام، وقال:
«يا عبدالقادر، لسنا نعلم الغيب، ولكن إذا صدق العبد مع الله، أراه الله صدقه في عباده.»
ثم سكت، وكأن الكلام قد قيل كلّه.
خرج الخواجة من المجلس، لا يحمل ورقة، ولا وِردًا، ولا وصية مكتوبة، ولكنه خرج وقد انكسر في داخله شيءٌ كان يحجبه عن الطمأنينة. فهم أن الطريق ليس في امتحان الرجال، بل في امتحان النيات، وأن من دخل على الله بعقله وحده، خرج متعبًا، ومن دخل بقلبه، خرج مطمئنًا.
ومنذ ذلك اليوم، تغيّر حاله، لا في ظاهر تجارته فقط، بل في باطنه. لم يترك السوق، ولم يعتزل الدنيا، ولكنه صار يرى اليد التي تُدبّر وراء الأسباب، ويعرف أن الفتح لا يُنال بالاختبار، بل بالتسليم.
دلالة القصة ومعناها الروحي
لا تُروى هذه القصة لإثبات كشفٍ مطلق، ولا لرفع أحدٍ فوق مقامه، وإنما لتقرير معانٍ دقيقة من أدب الطريق:
• أن الاختبار يناقض التوكّل، فمن دخل يجرّب، لم يذق.
• أن الفراسة ثمرة صدق لا دعوى علم، فهي موافقة حال، لا اطلاع غيب.
• أن الطريق ليس في الكرامة، بل في تهذيب النية، فمن صلحت نيته، صلح فهمه.
ولهذا كان قول الشيخ فاصلاً:
لسنا نعلم الغيب…
فقطع باب الوهم، وفتح باب الأدب.
خاتمة
تبقى هذه القصة شاهدًا على أن الله إذا أراد بعبدٍ خيرًا، أوقفه عند حدّه، وعرّفه بنفسه قبل أن يعرّفه بغيره. وأن الطريق إلى اليقين لا يبدأ بالسؤال عن الناس، بل بالسؤال عن القلب: بأي نية أتيت؟
ومن عرف هذا، استراح.