ب الرؤيا بين البشارة والتحذير - هيثم صديق – رؤى ومعنى
lit { color: #195f91; }



404

We Are Sorry, Page Not Found

Apologies, but the page you requested could not be found.

Home Page

My Blog List

السبت، 20 ديسمبر 2025

الرؤيا بين البشارة والتحذير

 

الرؤيا بين البشارة والتحذير



قراءة تأصيلية في ضوء الكتاب والسنة وأقوال أئمة التعبير

ليست الرؤيا في ميزان الإسلام صورةً عابرة، ولا خيالًا منفلتًا، بل هي خطاب رمزي له مصادر متعددة، تتنوّع بين البشارة الإلهية، والتنبيه الرحيم، والتحذير من الزلل، أو انعكاس حديث النفس وأضغاث الأحلام. ومن هنا، كان علم تعبير الرؤيا علمًا دقيقًا، لا يُؤخذ بالظن، ولا يُقال فيه بالرأي المجرد.

وقد ميّز أهل العلم منذ الصدر الأول بين الرؤيا الصادقة وغيرها، إدراكًا منهم أن الخلط بين الأنواع يفسد المعنى، ويوقع الناس في خوفٍ لا موجب له، أو طمأنينةٍ في غير موضعها.


أولًا: الرؤيا الصادقة… بشارة من الله

ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال:
«الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان».
وفي رواية أخرى: «الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له».

وهذا الحديث أصلٌ عظيم في التفريق بين مصادر الرؤيا. فالرؤيا الصادقة منحة إلهية، تأتي غالبًا واضحة المعنى، هادئة الأثر، تترك في النفس سكينةً واطمئنانًا، حتى وإن حملت معنى التحذير أو التنبيه.

وقال ابن سيرين رحمه الله:

الرؤيا الصادقة لا تكون مضطربة، ولا متناقضة، ولا مخالفة للشرع، وإنما تأتي على قدر حال الرائي، وبحسب صدقه مع الله.

ولهذا كانت الرؤيا الصادقة في الغالب:

  • بشارة بخيرٍ قادم
  • أو تثبيتًا على طاعة
  • أو كشفًا لمعنى يحتاج إلى فهم
  • أو وعدًا يتحقق في وقته

وقد رُوي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت:

أوّل ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح
أي في وضوحها وصدقها، لا لبس فيها ولا خفاء.


ثانيًا: رؤيا التحذير… رحمة لا تخويف

ومن الرؤى ما يأتي في صورة تحذير، لا بقصد الإضرار، بل بقصد التنبيه والرحمة.
فيرى الإنسان ما يكرهه، أو ما يقلقه، أو ما يدل على خلل في سلوكه أو مساره. وهذه الرؤيا ليست شرًّا في ذاتها، بل قد تكون باب نجاة إذا أُحسن فهمها.

قال الكرماني:

الرؤيا التي فيها خوف أو إنذار، إن وافقت الشرع، فهي تنبيه، لا عقوبة، ودعوة للمراجعة قبل وقوع البلاء.

فالتحذير في الرؤيا قد يكون:

  • تنبيهًا لغفلة
  • أو تحذيرًا من صحبة فاسدة
  • أو إشارة إلى قرار خاطئ
  • أو دعوة للتوبة قبل فوات الأوان

ومن الخطأ الشائع أن تُفسَّر كل رؤيا مزعجة على أنها نذير سوءٍ محتوم، إذ إن كثيرًا منها رحمة مستترة، لو فُهمت على وجهها، لانقلب الخوف أمانًا.


ثالثًا: الميزان بين البشارة والتحذير

العبرة في الرؤيا ليست بالرمز وحده، بل بمجموع القرائن، ومنها:

  • حال الرائي في دينه وأخلاقه
  • زمان الرؤيا (ليل، سحر، بعد استخارة…)
  • تكرار الرؤيا أو انفرادها
  • الأثر النفسي الذي تتركه بعد الاستيقاظ

قال جعفر الصادق رضي الله عنه:

الرؤيا تُعرف بوقتها، وبحال صاحبها، وبما يوافقها من عمله، فإن وافقت الحق كانت بشرى، وإن خالفته كانت إنذارًا.

ولهذا قد يرى اثنان الرمز نفسه، فتكون لأحدهما بشارة، وللآخر تحذيرًا.
وقد يكون الموت في رؤيا حياة، والخوف أمانًا، والفقد بداية، والغربة قربًا.


رابعًا: ما ليس رؤيا معتبرة

ليس كل ما يُرى في المنام رؤيا يُبنى عليها تأويل. فقد اتفق أهل العلم على أن المنامات ثلاثة أنواع:

  1. رؤيا من الله
    وهي الرؤيا الصادقة، وفيها البشارة أو التنبيه.

  2. تحزين من الشيطان
    وهو ما يُقصد به التخويف والإزعاج، وقد أمرنا النبي ﷺ عند رؤيته أن:

    • نستعيذ بالله منه

    • ولا نقصّه على أحد

    • ونتفل عن يسارنا ثلاثًا

  3. حديث النفس
    وهو ما يشغل الإنسان في يقظته، فيراه في منامه، ولا دلالة له ولا تأويل.

قال ابن سيرين رحمه الله:

أضغاث الأحلام لا تأويل لها، لأنها مختلطة لا نظام لها، ولا رسالة فيها.


خامسًا: خطورة التفسير بغير علم

من أعظم الأخطاء في هذا الباب:

  • التهويل في التفسير
  • أو الجزم بما لا دليل عليه
  • أو ربط الرؤيا بأحكام قاطعة في الموت أو الفقر أو المصائب

وقد قال النبي ﷺ:
«الرؤيا على رجل طائر ما لم تُعبَّر، فإذا عُبّرت وقعت»
أي أن التسرّع في التفسير الخاطئ قد يترك أثرًا نفسيًا سيئًا، ولو لم يكن المعنى كذلك في الأصل.

ولهذا كان السلف يتورّعون في التعبير، ولا يفسّرون إلا بعلمٍ وبصيرة.


خاتمة

إن الرؤيا الصادقة نور،
والتحذير رحمة،
لكن التأويل بلا علم فتنة.

وليست الرؤيا حكمًا يُقضى،
ولا غيبًا يُجزم به،
بل رسالة تُفهم،
ومن أحسن فهمها، أحسن العمل بها.

فمن جعل الرؤيا باب خوف، أُرهق،
ومن جعلها باب فهم، اهتدى.

والله أعلم، وهو أحكم الحاكمين.

Google+ Linked In Pin It
ليست هناك تعليقات: