بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلي علي سيدنا محمد وعلي اله وسلم
قال الله تعالي : (لهم البشري في الحياة الدنيا وفي الاخرة)
مرافئ اليقين في حقيقة الرؤيا الصالحة وأقسام المنامات
نافذة الغيب المشرعة ليست الأحلام مجرد خيالات عابرة تطوف بالروح في سكون الليل، بل هي لغة خفية، ونافذة يشرعها الخالق سبحانه لعباده ليطلوا منها على عالم الملكوت. الرؤيا الصالحة هي ذلك النور الذي يقذفه الله في قلب المؤمن وهو نائم، فتكون له تارةً تثبيتاً في المحن، وتارةً تبشيراً في الضيق، وهي حجة قائمة على أن وراء هذا العالم المادي عالماً غيبياً لا يحده زمان ولا مكان.

أولاً: ماهية الرؤيا الصالحة في المنظور الشرعي
اتفق أرباب التفسير وعلماء الأثر على أن الرؤيا الصالحة هي هبة ربانية، يراها العبد الصالح أو تُرى له من باب التكريم. وقد ورد في الحديث النبوي الشريف قوله ﷺ: «الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له»، وفي هذا إشارة إلى أن دائرة الخير قد تتسع ليرى المحب لمحبوبه ما يسره.
إن تعظيم شأن الرؤيا هو من صميم الإيمان بالغيب؛ إذ اعتبرها النبي ﷺ جزءاً من أجزاء النبوة الباقية، ومن أنكر أثرها وصدقها فقد غفل عن باب عظيم من أبواب المعرفة الإلهية. وقد كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تؤكد هذا المعنى بقولها: "أوّل ما بُدئ به رسولُ الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في المنام، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح". وتشبيهها بـ "فلق الصبح" إعجاز في التعبير؛ فهي تمزق ظلام الشك بنور اليقين، وتأتي واضحة لا غبش فيها، صادقة لا يحتمل تأويلها إلا الحق.
ثانياً: مدرسة الصديق في فقه التأويل
لم يكن علم التفسير مجرد تخمين، بل هو "فراسة إيمانية" تجلت في أبهى صورها لدى أبي بكر الصديق رضي الله عنه. فقد كان النبي ﷺ يقص عليه الرؤى فيجد الصديق بجمال بصيرته تأويلها المباشر.
من ذلك رؤية "الدرج" الذي رقي فيه النبي ﷺ وصاحبه، فسبقه المصطفى بمرقاتين، فاستنبط الصديق منها أجلَه ومدة بقائه بعد رسول الله؛ فكان كما قال.
كذلك رؤية "الغنم السود والبيض"، التي جسدت في رمزيتها الروحية دخول العرب ثم العجم في دين الله أفواجاً، فكانت الرؤيا هنا "تاريخاً يُكتب قبل وقوعه"، وشهادة على صدق النبوة واتساع رقعة الإسلام.
ثالثاً: علم "تأويل الأحاديث" وجذوره القرآنية
إن علم الرؤيا ليس علماً مستحدثاً، بل هو "العلم الأول" الذي خاطب الله به أنبياءه منذ فجر البشرية. وقد خلد القرآن الكريم ذكر هذا العلم في قصة نبي الله يوسف عليه السلام، الذي امتزجت حياته بالرؤى من مطلعها حتى منتهاها. قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾.
وتأويل الأحاديث هنا هو علم الرؤيا، وهو منحة لدنية لا تُنال بمجرد القراءة، بل بالتقوى والاجتباء الرباني. به أنذر الله الملوك، وبشّر به المظلومين في غيابات السجون، وجعله وسيلة لتدبير مصالح العباد وتأمين معايشهم.
رابعاً: الرد على الماديين وحقيقة "أضغاث الأحلام"
على مر العصور، حاول أهل الطبائع والطب المادي حصر المنامات في تفاعلات الجسد العضوية، زاعمين أن النائم لا يرى إلا انعكاساً لغلبه أخلاطه وطبائعه الأربعة:
- السوداء: التي تجلب في ظنهم الأهوال والمخاوف والظلام.
- الصفراء: التي تنعكس في المنام بصور النيران والدماء واللون الأحمر.
- البلغم: الذي يصور للنائم البحار والأنهار والبياض.
- الدم: الذي يثير في الخيال صور المعازف والرياحين والشراب.
ورغم أن هذا الجانب قد يكون له نصيب من الصحة في "فساد المزاج"، إلا أنه قاصر وعاجز عن تفسير الرؤى الصادقة التي تخبر بمغيبات لا صلة لها بجسد الإنسان. وهنا يبرز مصطلح "أضغاث الأحلام"، وهي الحزم المختلطة من النبات التي لا نظام لها؛ فهي خلط بين حديث النفس، وتلاعب الشيطان، وغلبة الطبائع، ولذلك لا يُعتد بها في ميزان التفسير لأنها تفتقر إلى النورانية والاتساق.
خامساً: التصنيف الثلاثي للمنامات
استقر جمهور العلماء والمفسرين على أن ما يراه الإنسان في مرقده ينحصر في ثلاثة أصناف لا رابع لها:
- رؤيا البُشرى: وهي "الرؤيا الصادقة" من الله، سمتها الوضوح، وهدفها التثبيت، وهي التي تستحق البحث عن تأويلها عند أهل الاختصاص.
- رؤيا التحزين: وهي من الشيطان، تهدف إلى إلقاء الرعب في قلب المؤمن أو شغله بالأباطيل، وسنتها أن يتفل الرائي عن يساره ولا يذكرها لأحد.
- رؤيا حديث النفس: وهي انعكاس لما يشغل بال الإنسان في يقظته من هموم أو آمال، فيعيد العقل صياغتها أثناء النوم، وهي لا دلالة لها في عالم التأويل.
خاتمة: أدب التعامل مع الرؤى
إن عالم الرؤى عالم فسيح، يتطلب من المسلم وعياً وبصيرة. فليس كل حلم يستوجب القلق، ولا كل منام يصحُّ اعتباره حقيقة مطلقة يُبنى عليها عمل. إنما الميزان هو "العرض على الشرع والعلم"، فما وافق الحق قبلناه واستبشرنا به، وما كان غير ذلك رددناه بالاستعاذة والتوكل.
والله أعلم، ونسأل الله أن يجعل رؤانا تباشير خير وصلاح.
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلي علي سيدنا محمد وعلي اله وسلم
قال الله تعالي : (لهم البشري في الحياة الدنيا وفي الاخرة)
مرافئ اليقين في حقيقة الرؤيا الصالحة وأقسام المنامات
نافذة الغيب المشرعة ليست الأحلام مجرد خيالات عابرة تطوف بالروح في سكون الليل، بل هي لغة خفية، ونافذة يشرعها الخالق سبحانه لعباده ليطلوا منها على عالم الملكوت. الرؤيا الصالحة هي ذلك النور الذي يقذفه الله في قلب المؤمن وهو نائم، فتكون له تارةً تثبيتاً في المحن، وتارةً تبشيراً في الضيق، وهي حجة قائمة على أن وراء هذا العالم المادي عالماً غيبياً لا يحده زمان ولا مكان.

أولاً: ماهية الرؤيا الصالحة في المنظور الشرعي
اتفق أرباب التفسير وعلماء الأثر على أن الرؤيا الصالحة هي هبة ربانية، يراها العبد الصالح أو تُرى له من باب التكريم. وقد ورد في الحديث النبوي الشريف قوله ﷺ: «الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له»، وفي هذا إشارة إلى أن دائرة الخير قد تتسع ليرى المحب لمحبوبه ما يسره.
إن تعظيم شأن الرؤيا هو من صميم الإيمان بالغيب؛ إذ اعتبرها النبي ﷺ جزءاً من أجزاء النبوة الباقية، ومن أنكر أثرها وصدقها فقد غفل عن باب عظيم من أبواب المعرفة الإلهية. وقد كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تؤكد هذا المعنى بقولها: "أوّل ما بُدئ به رسولُ الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في المنام، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح". وتشبيهها بـ "فلق الصبح" إعجاز في التعبير؛ فهي تمزق ظلام الشك بنور اليقين، وتأتي واضحة لا غبش فيها، صادقة لا يحتمل تأويلها إلا الحق.
ثانياً: مدرسة الصديق في فقه التأويل
لم يكن علم التفسير مجرد تخمين، بل هو "فراسة إيمانية" تجلت في أبهى صورها لدى أبي بكر الصديق رضي الله عنه. فقد كان النبي ﷺ يقص عليه الرؤى فيجد الصديق بجمال بصيرته تأويلها المباشر.
من ذلك رؤية "الدرج" الذي رقي فيه النبي ﷺ وصاحبه، فسبقه المصطفى بمرقاتين، فاستنبط الصديق منها أجلَه ومدة بقائه بعد رسول الله؛ فكان كما قال.
كذلك رؤية "الغنم السود والبيض"، التي جسدت في رمزيتها الروحية دخول العرب ثم العجم في دين الله أفواجاً، فكانت الرؤيا هنا "تاريخاً يُكتب قبل وقوعه"، وشهادة على صدق النبوة واتساع رقعة الإسلام.
ثالثاً: علم "تأويل الأحاديث" وجذوره القرآنية
إن علم الرؤيا ليس علماً مستحدثاً، بل هو "العلم الأول" الذي خاطب الله به أنبياءه منذ فجر البشرية. وقد خلد القرآن الكريم ذكر هذا العلم في قصة نبي الله يوسف عليه السلام، الذي امتزجت حياته بالرؤى من مطلعها حتى منتهاها. قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾.
وتأويل الأحاديث هنا هو علم الرؤيا، وهو منحة لدنية لا تُنال بمجرد القراءة، بل بالتقوى والاجتباء الرباني. به أنذر الله الملوك، وبشّر به المظلومين في غيابات السجون، وجعله وسيلة لتدبير مصالح العباد وتأمين معايشهم.
رابعاً: الرد على الماديين وحقيقة "أضغاث الأحلام"
على مر العصور، حاول أهل الطبائع والطب المادي حصر المنامات في تفاعلات الجسد العضوية، زاعمين أن النائم لا يرى إلا انعكاساً لغلبه أخلاطه وطبائعه الأربعة:
- السوداء: التي تجلب في ظنهم الأهوال والمخاوف والظلام.
- الصفراء: التي تنعكس في المنام بصور النيران والدماء واللون الأحمر.
- البلغم: الذي يصور للنائم البحار والأنهار والبياض.
- الدم: الذي يثير في الخيال صور المعازف والرياحين والشراب.
ورغم أن هذا الجانب قد يكون له نصيب من الصحة في "فساد المزاج"، إلا أنه قاصر وعاجز عن تفسير الرؤى الصادقة التي تخبر بمغيبات لا صلة لها بجسد الإنسان. وهنا يبرز مصطلح "أضغاث الأحلام"، وهي الحزم المختلطة من النبات التي لا نظام لها؛ فهي خلط بين حديث النفس، وتلاعب الشيطان، وغلبة الطبائع، ولذلك لا يُعتد بها في ميزان التفسير لأنها تفتقر إلى النورانية والاتساق.
خامساً: التصنيف الثلاثي للمنامات
استقر جمهور العلماء والمفسرين على أن ما يراه الإنسان في مرقده ينحصر في ثلاثة أصناف لا رابع لها:
- رؤيا البُشرى: وهي "الرؤيا الصادقة" من الله، سمتها الوضوح، وهدفها التثبيت، وهي التي تستحق البحث عن تأويلها عند أهل الاختصاص.
- رؤيا التحزين: وهي من الشيطان، تهدف إلى إلقاء الرعب في قلب المؤمن أو شغله بالأباطيل، وسنتها أن يتفل الرائي عن يساره ولا يذكرها لأحد.
- رؤيا حديث النفس: وهي انعكاس لما يشغل بال الإنسان في يقظته من هموم أو آمال، فيعيد العقل صياغتها أثناء النوم، وهي لا دلالة لها في عالم التأويل.
خاتمة: أدب التعامل مع الرؤى
إن عالم الرؤى عالم فسيح، يتطلب من المسلم وعياً وبصيرة. فليس كل حلم يستوجب القلق، ولا كل منام يصحُّ اعتباره حقيقة مطلقة يُبنى عليها عمل. إنما الميزان هو "العرض على الشرع والعلم"، فما وافق الحق قبلناه واستبشرنا به، وما كان غير ذلك رددناه بالاستعاذة والتوكل.
والله أعلم، ونسأل الله أن يجعل رؤانا تباشير خير وصلاح.