أسرار الانتقال والستر: دراسة روحانية في دلالات الكفن والنعش في عالم الرؤى
إن عالم الأحلام هو المرآة التي تعكس خفايا النفس ومآلات القدر، ومن أكثر الرموز التي تثير الرهبة والسكينة في آن واحد هي تلك المتعلقة بأدوات الانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء؛ كالكفن والنعش. وفي ميزان التأويل، لا يُنظر إلى هذه الرموز بمنظار الموت المادي فحسب، بل هي إشارات للستر، والعلم، والرفعة، أو حتى التحذير من مواطن الزلل.
أولاً: فلسفة الكفن في المنام.. بين الستر والفتنة
يعد الكفن في الرؤيا رمزاً مزدوجاً؛ فهو "ستر العورة" في أسمى معانيه، وهو "زواج الأعزب" لكون الزواج ستراً وصوناً. ومع ذلك، تتفرع دلالاته بناءً على هيئة الرائي وحال الكفن:
1. صناعة الكفن وإهداؤه: من رأى في منامه أنه ينبري لصناعة كفن لميت، فهذا في الحقيقة "صناعة للمعروف"؛ إذ يؤول بمقدار ما بذله من جهد وخامة في هذا الكفن بتقديم الخير والأجر والثواب لذلك الميت، سواء بالصدقة أو بالدعاء أو بقضاء الديون. أما إن كان يصطنع الكفن لشخص حيٍّ يعرفه، فالرؤيا هنا تنقلب إلى دلالة العناء والكدح؛ إذ قد يصيب الرائي تعب من جهة هذا الشخص. بينما صناعة الكفن لشخص مجهول هي محض خير وسعة تأتي للرائي من حيث لا يحتسب.
2. نزع الكفن وأخذه من الموتى: هذا الرمز يحمل دلالة "الاقتفاء"؛ فمن نزع كفن ميت معروف، فهو يسلك مسلكه في الحياة ويتبع منهجه. أما "أخذ" الكفن فله وجهان:
لأهل الصلاح: يرمز إلى الاشتغال بـ "علوم غريبة ودقيقة" لا يدركها العامة، وقد يؤول بنيل مال من جهة فيها شبهة تتطلب الحذر.
لأهل الفساد: هو نذير سوء؛ إذ يدل على قلة الدين، والتشويش على الناس، والوقوع في رذيلة "الغمز والفتنة" بين العباد.
3. لبس الكفن للحي وميل النفس: نقل "أبو سعيد الواعظ" أن لبس الحي للكفن قد يشير إلى ميل النفس نحو المعاصي، وتحديداً الزنا. فمن رأى أنه يلبس الكفن ولم يتمَّ لبسه، فهذا رمز للمجاهدة؛ أي أنه يُدعى إلى الفتنة ولكنه لا يستجيب، وفي ذلك بشارة بالثبات. أما من رأى نفسه ملفوفاً بالكامل، مقمطاً ومربوطاً من الرأس إلى القدمين كهيئة الموتى، فقد يدل ذلك على دنو الأجل أو "فساد في الأمر" يحتاج إلى إصلاح عاجل.
4. طول الكفن وعلاقته بالتوبة: ثمة تناسب عكسي لطيف في هذا الرمز؛ فكلما كان الكفن الذي يلبسه الحي في منامه "قصيراً" أو أقل مما ينبغي، كان ذلك دليلاً على قرب الرائي من باب التوبة وصلاح حاله. وكلما زاد طول الكفن واستفاض، دلَّ ذلك على بعد الرائي عن التوبة وانغماسه في غفلة الدنيا.
5. جمع الأكفان وطلبها: رؤية الشخص يجمع أكفاناً كثيرة هي رؤيا "استزادة"؛ إذ تؤول بجمع علوم شتى متنوعة المشارب. أما من يطلب كفناً في منامه فلا يجده، فذلك رمز لتعسر المطلب وفقدان الستر في أمرٍ ما، وهي رؤيا لا تُحمد. وفي المقابل، من جاءه شخص بكفن كهدية، فذلك نيل نعمة جليلة وستر رباني يغشاه.
ثانياً: النعش والتابوت.. معارج الرفعة والوقار
ينتقل المقال بنا إلى رمزية أخرى لا تقل أهمية، وهي "النعش" و"التابوت"، وهما في التأويل يصبان في مجرى واحد غالباً، وهو مجرى الرفعة والسيادة.
1. دلالة "الانتعاش" والرفعة: اشتق المفسرون من اسم "النعش" معنى "الانتعاش"؛ فمن رأى نفسه محمولاً على نعش، ارتفع شأنه في الدنيا، وعلا ذكره، وكثر ماله. هي رؤيا "علو القدر" وسطوة الهيبة بين الناس. فإذا كان الرائي هو من يصنع النعش بنفسه، فهو رجل يسعى في قضاء حوائج الناس وصناعة المعروف، وإن أمر بصناعته، دل ذلك على صدقة جارية يخلد بها ذكره ويثقل بها ميزانه.
2. التابوت.. الحكمة والزوجة: التابوت في الرؤيا "وعاء الخير"؛ فمن وُهب تابوتاً، رُزق ملكاً وعظمة، وآتاه الله حكمة ووقاراً يهابه الناس بسببه. وفي بعض التفاسير، يرمز التابوت إلى "الزوجة الصالحة" التي تكون سكناً وستراً لزوجها.
3. كسر النعش وسلامة التابوت: يجب الحذر من رؤية "انكسار النعش"، فكما أن رفعه رفعة، فإن انكساره قد يدل على انكسار في الجاه أو تعثر في المسى. أما التابوت، فبقاء حاله واستقامته دليل على استقرار النعمة وبقاء العلم والحكمة في بيت الرائي.
ثالثاً: لمحات روحية في الستر والمعرفة
إن الكفن والنعش في جوهرهما يمثلان "الغطاء"؛ الكفن غطاء للجسد، والنعش غطاء للرحلة. ومن هنا، فإن من يجمع الأكفان يجمع "أغطية الحقائق" وهي العلوم، ومن يلبس الكفن يطلب "غطاء الستر".
فيا أيها الرائي، إن رأيت في منامك هذه الرموز، فانظر إلى حالك مع الله؛ فإن كنت في ضيق فبشرى بالرفعة (النعش)، وإن كنت في طلب علم فبشرى بالتبحر (جمع الأكفان)، وإن كنت تطلب الستر فاعلم أن الله سترك في منامك ليذكرك بجميل ستره في يقظتك.
يبقى علم الرؤيا بحراً لجيّاً، والرموز فيه تتغير بتغير أحوال الرائين؛ فما كان كفناً لغيرك قد يكون كساءً لك، وما كان موتاً في الظاهر قد يكون حياة في الباطن. فالزم جانب التقوى، واطلب الستر في كل حال، واعلم أن العلم والحكمة هما "التابوت" الحقيقي الذي يحفظ للإنسان ذكره ومكانته.
والله أعلم، ونسأل الله خير ما في هذه الرؤى ونعوذ به من شرها، ونسأله الستر في الدارين.
🔹 الكفن عند ابن سيرين: بين الستر والمآل
قال ابن سيرين رحمه الله:
الكفن في المنام يدلّ على الستر، فإن رآه الإنسان بقدر جسده، كان ذلك صلاحًا في دينه ودنياه، وإن زاد الكفن عن الحدّ، دلّ على غفلةٍ وإسرافٍ في أمرٍ لا يُحمد.
ومن رأى أنه يُكفَّن وهو حيّ، فإن ذلك دعوةٌ إلى التوبة، فإن لم يُتمّ التكفين، دلّ على أنه يُدعى إلى معصية فلا يُجيب.
وقال أيضًا:
من أُعطي كفنًا ولم يلبسه، نال سترًا من الله في أمرٍ يخاف افتضاحه،
ومن سُلب كفنه، خيف عليه من ذهاب الستر أو انكشاف السر.
🔎 وهذا يعزّز ما ورد في مقالك من الربط بين طول الكفن وقرب التوبة أو بعدها.
🔹 الكفن والنعش عند الكرماني: رموز المكانة والناس
وقال الكرماني:
من رأى أنه على نعش، فإن الناس يحملون أمره ويتداولون ذكره، فإن كان محمود السيرة، علت منزلته، وإن كان غير ذلك، كان حمله حملَ ذكرٍ لا يُحمد.
والنعش يدل على الرئاسة بقدر من يحمله.
وقال في الكفن:
من رأى كفنًا أبيض نقيًّا، دلّ على صفاء السريرة،
وإن كان الكفن متّسخًا أو ممزقًا، دلّ على نقصٍ في الدين أو اضطراب في الحال.
🔎 وهنا يتجلّى المعنى الاجتماعي للرؤيا: ليس الرمز منفصلًا عن سيرة الرائي.
🔹 جعفر الصادق: الكفن والتابوت كمقامات روحية
وقال جعفر الصادق رضي الله عنه:
الكفن في الرؤيا يؤول على خمسة أوجه:
ستر من الله
توبة بعد غفلة
زواج لمن لا زوج له
كفٌّ عن معصية
نهاية أمر وبداية غيره
وأما النعش فيؤول على:
علوّ شأن
هيبةٍ في القلوب
ولايةٍ أو أمانة
علمٍ يُنتفع به
أو سفرٍ ينتقل فيه الرائي من حالٍ إلى حال
وقال في التابوت:
هو وعاء الأسرار، فمن رآه مفتوحًا، اطّلع على علمٍ خفيّ،
ومن رآه مغلقًا، كان في سترٍ محفوظ.
🔎 وهذا ينسجم تمامًا مع عنوان مقالك: “أسرار الانتقال والستر”.